طفولة مؤجلة, ذاكرة الرصاص و معنويات في السماء!

بأطفالنا منتصرون

بأطفالنا منتصرون

 

بين الأمس و اليوم

و كأنّ بنا نَلقى عذاباً مُخضّبا بدماء أطفالنا عن كلّ يوم قديم مضى, سبق و فرطنا فيه بحريتنا.

 

عمو..أنا عايشة؟!

من قضى من شهدائنا أطفالاً و نساءً و رجالاً فقد مضوا إلى بارئهم مخلفين وراءهم أمانةً في أعناقنا نؤديها إصراراً و إخلاصاً و تضحية على طريق النصر.

أما تلك الطفلة التي خرجت من بين الأنقاض تلك الطفلة الشهيدة التي ما زالت على قيد الحياة, فمن يملك أن يُخفّف عنها و هي ترى الأهوال و ترى من السماء ما لا نرى, تُمرِّر يديها على وجهها و جسدها لا تعلم أين أضحت, أفي عالم الأحياء أم في عالم الأموات, تنظر حولها فترى طبيباً تصرخ و هي ذاهلة تسأله  (عمو ..أنا عايشة؟ ..أنا عايشة؟) لتجيب نفسها بعد تأكيدات يديها بأنّها ما زالت على قيد الحياة إلّا أنّها أيضا ما زالت ترى من السماء ما لا نراه.

ستكبر الطفلة الشهيدة و ستعلم يوماً بأنّه في الوقت الذي كانت تحاول التأكد من أنّها ما زالت في عالم الأحياء, كان هنالك في الطرف الأخر أشياءٌ مُتحركةٌ على هيئة بشر, يُوزِعون الحلوى و يرقصون احتفالاً بنصر الكيماوي, بقتل ألف و أربعمائة إنسان!

ستعلم كلّ ذلك و أكثر منه و أغلب الظن لن تسألهم لماذا فعلوا ذلك, بل لربما في حال قررت أن تسأل أحداً ما, فهي ستسألنا نحن (ماذا فعلتم لنصرتنا و لنصرة من بعدنا؟)

 

ورقة توت

أطفال المعمضمية في غوطة دمشق يأكلون ورق شجرة التوت, دعونا لا نخشى شيئاً فلقد وردني أنّهم يمتلكون مخزونا استراتيجياً منه يكفيهم تأمين حاجتهم الغذائية و تصدير معظمه لنا لتغطية عوراتنا

 

طفولة مؤجلة

في الرابعة عشرة من عمره تم سؤاله: ألست مشتاقاً لطفولتك و ألعاب الفتية؟ فكان جوابه: نسيت الطفولة, الأن لدينا عملٌ أهم!

هذا الفتى تتسامق قامته بما يجعل الرجال بمظهر الأقزام مقارنة به, كلّ ما شعر به أنّ هنالك مسؤولية و أنّه أهلٌ لأن يقوم بدوره في مساعدة الأطباء و المرضى في المستشفى.

بكل الأحوال عندما نجد فتى بعمر الرابعة عشرة من عمره يحمل سلاحاً, وجب انتقاد هذه الظاهرة بشرط أن لا يكون انتقاداً منعزلاً عن التساؤل (لماذا اضطر هذا الفتى لحمل السلاح؟) و لو أنّه وجدنا لما فعل.

الامر ذاته على فتى التمريض الذي يعمل و الذي قال بأنّه بداية كان يخاف من منظر الدماء و التي أصبحت بمرور الوقت أمراً مألوفاً لم يعد يخيفه! و بأنّه اضطر للمساعدة لأنّه وجد معظم المؤهلين لذلك قد غادروا إلى تركيا.

ثورةٌ , فتية من درعا أشعلوها و فتية حملوا السلاح و فتية يعملون في التمريض

أما نحن معاشر الرجال , لن نتمكن من تحمّل مسؤوليتنا إن لم نعد فتية كمثلهم!

 

 

معنويات

حضنت طفلتها و خرجت سريعاً من دارها الآيل للسقوط جرّاء قصف أسدي, أعملت أقدامها جرياً صوب الحدود نزوحاً, في تلك اللحظة لا شيء, لا شيء على الإطلاق يهمها تحت السماء سوى طفلتها التي تتأمل وجه أمّها و تقرأ على صفحته حكاية نزوح و تسمع وقع خطو أمها على أرض الصحراء لحن لجوء إلى خيمة تتعرض كلّ يوم لقصفٍ من نوعٍ أخر.

في سكنها الجديد تقف الطفلة وسط خيمتها, ما زالت تقرأ و تسمع و تحفظ في ذاكرتها كلّ تلك التفاصيل التي ستكبر معها يوماً بعد أخر.

اقترب بلطف طالباً منها أن ترفع شارة النصر و تبتسم و لأنّها طفلة و لأنّها لم تعرف الشتائم ذات يوم

فعلت ما طلب منها, التقط صورتها التي انتشرت بعد ذلك إلى أن وصلتني في بلاد الغربة.

حقيقة كنت في حالة مزاجية سيئة حيث استيقظت متأخراً أشعر بجوع يتآكلني و لأنني لا أحبّ الطبخ المنزلي اتصلت على المطعم القريب طالباً وجبة كاملة من النوع الدسم, تناولتها حتى أُصبت بتخمة زاد معها سوء مزاجيتي, إلى أن نظرت إلى تلك الفتاة في الصورة تقف شامخة تبتسم و ترفع إشارة النصر, و على الفور أحسست بارتفاع معنوياتي حتى كادت تلامس سقف السماء, فكتب تعليقاً: (جايينك و لك بشار جايينك ..انظر إلى تلك الابتسامة أليست ابتسامة الثقة بالنصر)

أردت أن أشارك تلك الصورة في صفحتي و لكن ما شغلني عن ذلك النضال هو اتصال من صديقي, ذهبنا إلى المقهى, كنا كلينا بحالة معنوية مرتفعة, بدا لي معها بأنّه شاهد الصورة نفسها التي شاهدت.

لكّلِ دوره في هذه الثورة فالأسد يقصف, و البيت يسقط, و الأم تجري بطفلتها, و الإنسانية تستضيفها في خيمة تحت رحمة الصحراء, و الصحافي يلتقط الصورة و ينشرها, و أنا و صديقي نستمدّ منها روحا معنوية عالية.

 

 

ذاكرة الرصاص

حدث يوم كنت في الخامسة من عمري أن سمعت صوتاً غريباً لم آلفه من قبل و استغربت يومها كيف حضنتني أمي..

لاحقاً بعد عشر سنوات علمت بأنّه كان صوت رصاصة أطلِقتْ في حيّينا إثر مطاردة أحد المطلوبين في الثمانينات.

صوت لم أعرف ماهيته في ذلك الحين و عندما عرفت لم يكن أكثر من مجرد رصاصة واحدة لم تُصب أحداً, و مع ذلك ما زال صداها يتردّد في رأسي!

أطفالنا اليوم في سوريا يستخدمون الرصاص أقلاماً يرسمون بها ذاكرتهم, تلك الذاكرة المشوّشة بضجيج الطيران الحربي و القصف المدفعي و الصاروخي, بأنين أمّهم تُداري فَقدَ أخيها و أبيها و ابنها.

و مع ذلك فإنّ كلّ ما سبق لن يؤثر بهم كما سيحدث عندما يعرفون ذات يوم أنّ ثمّة بشر همجيين لطالما احتفلوا كلّما تناهى لأسماعهم أن طفلاً ذُبِح و قريةً قُصِفت و مهجريين نزحوا إلى رحمة الله..

أغلب الظنّ بأنّهم لن يُصدّقوا تلك القصص , قد يعتبرونها مجرد مزاح سمج.

 

 

الثورة

الثورة هي التغيير, فليُحاكم كلّ واحد منا نفسه, هل تغيّير نحو الأفضل أم أنّه بقي كما هو, و بمعنى أخر هل تغيرت مفاهيم حياته لتلائم الثورة, أم أنّه اختار تغيير مفاهيم الثورة لتلائم حياته كما هي دون أن يمسّها تغيير, و ليتمكن معها من وصف نفسه بأنّه إنسان ثوري!

 

 

أن تكون ثورياً

الثورة مستمرةٌ, و أن تكون ثورياً فهذا يعني أنّك اخترت طريق النضال ضدّ الظلم بجميع أشكاله بإرادتك الحرّة, و اختيار هذا الدرب بإرادة حرة يترتب عليه مسؤوليات تتطلب من كلّ واحدٍ منا الوفاء بها, و الوفاء بهذه المسؤوليات يتطلب التضحية.

 

 

التضحية

التضحية هي فكرٌ في عقلك سيُحدِّد سلوكك و أفعالك, قائم على اختيار الحدّ الأعلى للتضحية, و اختيار الحد الأعلى لا يعني بذله و إنّما جعله مقياساً تُقارن به قيمة أعمالك, فمن اعتبر أن التضحية هي بذل (5%) من راتبه شهرياً, سيعتقد في حال لو بذل (6%) في أحد الشهور, فإنّه قد فعل المستحيل الذي قد يترتب عليه أن يمنح نفسه استراحة محارب جرّاء التعب الذي أنهكه في هذا الشهر, و من اعتبر أن التضحية هي كتابة بضع كلمات في (الفيسبوك) سيعتقد بأنّه لو كتب ألف كلمة بأنّه قد بذل من التضحية ما يُستحق معه أن تُخطَّ كلماته بمداد من ذهب!

الثورة مستمرة , وقوفك مع أطفال سورية ثورةْ!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s